إلى الجاهلين بفضل المحاماة والمحامين ..!
المحاماة والمحامي حق أساسي من حقوق الإنسان ..
عندما رُفع لنابليون مشروع قانون المحاماة لتوقيعه علَّق: (إنَّه مشروع سخيف لا يترك لنا أي سلطان على المحامين .. وما دام سيفي بيميني فلن أضع إمضائي على مثل هذا القانون .. ولوددت لو أستطيع قطع لسان كل محام يستعمله في الطعن على الحكومة) .. (هذا هو حال كل الديكتاتوريين في العالم وفي كل العصور ..
نابليون بسلطته وسطوته تمكن من عرقلة صدور نظام شامل للمحاماة .. ولكن الزمن الحقوقي كان يمضي إلى الأمام .. فتم إقصاء هذا الدكتاتور وإعلاء نظام المحاماة في فرنسا عام 1830 ..
خلال تطور القضاء عبر التاريخ لم يكن سهلاً على البشر قبول المحامين ومهنة المحاماة .. فالبشر بطبيعتها تكره الحق وقول الحق ومن يقول الحق .. وأكثرهم لا يفقهون .. وتقف دوماً مع القوي الظالم ضد المظلوم الضعيف ..
وكانوا يتهمون المحامين بأقذع الصفات ويلصقون بهم أبشع التهم .. ليخففوا من قوتهم .. وما ذلك إلا لأن المحاماة هي مهنة قول الحق والدفاع عن العدالة وإنصاف المظلوم وحماية وإعادة الحقوق لأصحابها ..
الكل على مر العصور كان يقف في وجه المحاماة والمحامين ويسعون لإهمالهم وتسخيفهم وتسخيف دورهم .. لأن المحاماة هي مهنة قول الحق في وجه القضاء والقضاة وفي وجه السلطة والمؤسسات والدوائر الحكومية ..
قالوا: كان عصر نابليون أسوأ عصر مرت به المحاماة ..
أقول: إن عصر نابليون لم يعد الأسوأ .. بل كنا في العهد البائد أسوأ وأردأ منه بكثير .. والحرب ضد المحامين كانت على أشدها .. سراً وعلناً .. ليلاً ونهاراً .. من داخلها ومن خارجها
والله أعلمنا بحالنا اليوم .. وإلى ماذا سيصير حالنا غداً !!
لقد أورد الدكتور وهبة الزحيلي رأياً فقهياً بجواز الوكالة في الخصومة (عمل من أعمال المحاماة المتعددة) في جميع حقوق العباد للحاجة إليها .. إذ ليس كل إنسان يهتدي إلى وجوه الخصومات .. ولأن كل تصرف أو عقد جاز للإنسان أن يتولاه بنفسه، جاز أن يوكل فيه غيره ..
وقد صح أن علياً كرم الله وجهه قد وكل عنه عقيلاً في الخصومات .. لأنه كان ذكياً حاضر الجواب ..
وبعدما أسن عقيل .. وكل عبد الله بن جعفر الطيار .. وكان شاباً ذكياً .. وكان الإمام علي كرم الله وجهه يقول:
"ما قضي لوكيلي فلي .. وما قضي على وكيلي فعلي"
يقول بعض الفقهاء ورجال القانون أنه : "لا يجوز للوكيل أن يتولى الوكالة إذا علم ظلم موكله في الخصومة أو أنه على باطل. لقوله تعالى:
"ولاتكن للخائنين خصيما"
فلا يكون وكيلاً إلا إذا علم حقيقة الأمر، وأنه محق في دعواه وطلبه .. علماً يقينياً ..
والحقيقة أن هذا الكلام مجانب للعدالة وقد تجاوز عصره أيضاً .. ففي عصرنا الحاضر وفي عصر المستجدات واختلاف القوانين وكثرتها وتداخلاتها وناسخها ومنسوخها ونافذها وملغاها الخ أصبحت المحاماة حاجة وحق من حقوق الإنسان لا يمكن نكرانها إلا من جاهل في القوانين والشريعة .. هذا في القضاء المدني ..
أما أمام القضاء الجزائي فالأمر أشد وأهم وأخطر ففي هذه الحالة تصبح المحاماة ضرورة لا غنى عنها لأي محاكمة عادلة درءً لمظلمة في الحكم بسبب عجز المتهم أو المدعى عليه عن الدفاع عن نفسه مع كثرة القوانين والتشريعات وأسباب التخفيف ..
العدالة واجبة على القاضي .. ولكنها ليست واجباً على المحامي .. فالمحامي واجبه ضمان محامكمة عادلة لموكله .. وحماية حقوقه والدفاع عنه وبيان موقفه وحججه القانونية للقاضي الذي عليه أن يوازن بين الخصوم وأقوالهم وحججهم وأدلتهم وبراهينهم .. ثم يحكم بالعدل
وفي جانب من التبرير يتبادل رجال القانون قول السيد المسيح عليه السلام:
"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"
ويأتي في هذا السياق سؤال النبي موسى عليه السلام ربه بأن ينجده بأخيه هارون _ على نصرة الحق طبعا _ ويشدد به أزره فقال تعالى:
﴿اذهب إلى فرعون إنه طغىقال رب اشرح لي صدريويسر لي أمريواحلل عقدة من لسانييفقهوا قوليواجعل لي وزيرا من أهليهارون أخياشدد به أزريوأشركه في أمريكي نسبحك كثيراونذكرك كثيراإنك كنت بنا بصيرا﴾ [طه: ٢٤-٣٥]
فالمحامي وزير لموكله يشد أزره ويساعده للوصول إلى حقه ..
أما أجمل ما قيل في المحاماة فقول سيدنا محمد ﷺ:
"من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه، ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام"
أما قول سيدنا إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ أخِيهِ شيئًا، بقَوْلِهِ: فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النّارِ فلا يَأْخُذْها
فهذا عدا عن أنه ينطبق على القاضي فهو ينطبق على المحامي قياساً ولو كانت المحاماة غير معروفة ولا موجودة في عهد النبوة .. فالمحامي كالقاضي يسمع من المتخاصم موكله ويصدقه ويتبنى موقفه وفقا لأحكام الشرع أو القانون فإن صدق موكله فلهو الثواب وإن كذب فعليه الإثم ..
فهل بعد كل هذا يوجد أحمق يقول هل المحاماة حلال أم حرام ؟!
المحامي ناهل المصري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق