ترحيب

أهلاً بكم في المدونة الخاصة بالمحامي ناهل المصري

2025/06/01

 أصول تشكيل النقابات وفروعها في ظل غياب أو تعذر الانتخابات النقابية




مقدمة لا بد منها:
بدايةً لا مندوحة من الإشارة إلى أن هذا المقال يُنشر لمصلحة القانون والعمل النقابي..
القانون والقانون فقط ولا شيء غير القانون، ولا يُقصَد به توجيه النقد أو التجريح ضد أي طرف أو جهة، ولا يُراد منه تحقيق أي مصلحة خاصة أو شخصية أو فئوية.
بل على العكس هدفي هنا هو التذكير بالأصول القانونية والمهنية السارية التي تُنظم عمل نقابة المحامين وفروعها، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية، لضمان استمرار الشرعية النقابية والالتزام بالأنظمة المرعية.
وهو ينشر الآن لمصلحة كل المحامين الذين نحبهم ونحترمهم ونبغي الصالح العام لنا ولهم بعيداً عن الشخصنة والمصالح الشخصية الضيقة.
وهو يسعى بالضرورة أيضاً إلى تقديم رؤية موضوعية مهنية تُعين الزملاء والزميلات في نقابة المحامين وفروعها على تجاوز المرحلة الراهنة، والحفاظ على الشرعية الأخلاقية والمؤسساتية في إدارة النقابة وشؤونها.


في النظم الديمقراطية، تُعتبرُ الانتخابات النقابية الركيزة الأساسية وحجر الزاوية لضمان الشرعية التمثيلية لنقابات المهن الحرة، ومنها نقابة المحامين، لأنها تتيح للأعضاء اختيار ممثليهم وتوزيع المسؤوليات بشكل مباشر، وتعزز الشفافية والمساءلة، بما يعكس إرادة القاعدة النقابية، ويمنح القيادة النقابية الشرعية القانونية والأخلاقية لإدارة شؤون المهنة.

لكن في حالات أو ظروف استثنائية (مثل غياب البيئة الآمنة، الظروف السياسية المعقدة، الانقسامات الداخلية، أو الأوضاع القانونية المعلّقة) قد يصبح من غير الممكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة، ما يفرض تحديات كبيرة أمام استمرارية العمل النقابي وشرعية هياكله، ويفرض الحاجة لإيجاد آليات بديلة تضمن استمرارية العمل النقابي، مع المحافظة على أقصى درجات الشرعية والعدالة التمثيلية.

مرجعية قانون تنظيم المهنة
من المهم التأكيد على أن قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يزال ساري المفعول، ولم يتم إلغاؤه أو تجميده أو تعليق العمل به، وهذا باعتراف وإقرار السلطات الرسمية في الدولة، واعتراف وإقرار المجالس النقابية القائمة حالياً.
وبالتالي، فإن أي إجراءات تنظيمية أو إدارية أو تعيينات أو تكليفات تصدر باسم النقابة أو باسم الفروع يجب أن تكون ملتزمة بأحكام وروح هذا القانون والنظام الداخلي وباقي الأنظمة الناظمة لعمل النقابة، ومبنية على القواعد القانونية والإدارية التي يُحدّدها هذا الإطار التشريعي.

وإن أي تجاوز لهذا الإطار أو مخالفة صريحة لنصوص القانون والأنظمة الناظمة لمهنة المحاماة تُعتبر مخالفة مهنية وقانونية، وقد تعرّض أصحاب القرار للمساءلة لاحقاً أمام الهيئات المختصة اللاحقة أو امام الجهات الرقابية في الدولة !.

وهذا يعني أن أي تشكيل أو تعيين لمجلس النقابة أو مجالس الفروع يجب أن يراعي الالتزام بروح النظام الداخلي والأنظمة. فحتى بغياب الانتخابات، ينبغي احترام:
* شروط العضوية والانتساب.
* شروط الأهلية لتولي المناصب القيادية.
* احترام مدد التفويض وصلاحيات المجالس.
* وضوح المهام والصلاحيات.


ضمان التمثيل العادل والمتوازن لجميع الفروع
يُشترط لضمان العدالة التمثيلية ألا يقتصر حصر التعيينات أو تشكيل الهيئات الانتقالية أو المركزية على أعضاء من فرع أو منطقة أو محافظة واحدة، بل يجب ضمان وجود ممثلين حقيقيين عن كافة الفروع على مستوى المحافظات والمدن (دمشق، ريف دمشق، حمص، حلب، حماة، دير الزور، الحسكة، وغيرها)، بما يعكس الواقع المهني والجغرافي، ويمنع احتكار القرار من قبل فرع واحد ويحافظ على التوازن الوطني داخل النقابة.

شرط محليّة التمثيل في مجالس الفروع:
يجب أن يكون أعضاء مجلس كل فرع من المحامين العاملين والمقيمين في نفس المدينة أو المحافظة أو المنطقة التابعة للفرع، بما يضمن درايتهم بخصوصياته واحتياجاته، وواقع فرعهم وارتباطهم المباشر بقضايا أعضائه وقدرتهم على تمثيل قضاياهم بصدق وفعالية، ويعزز حضورهم المباشر أمام الهيئة العامة للفرع (فأهل مكة أدرى بشعابها).
لا يجوز بحال من الأحوال تشكيل مجالس الفروع من خارج هذه المناطق حتى لو جرى التعيين أو التوافق على المستوى الوطني.

اعتماد منهجية التوافق والتمثيل الواسع
عند غياب الانتخابات، يصبح الحل المقبول أخلاقياً هو التوافق بين التيارات والمجموعات الفاعلة داخل النقابة، لضمان تكوين مجلس أو هيئة قيادية انتقالية لا تُقصي أحداً. فيجب السعي لتشكيل مجلس انتقالي أو هيئة قيادية مؤقتة تمثل الأطراف المختلفة، ولا تحتكر القرار لمجموعة واحدة.
وعلى هذه التشكيلات أن تعكس التنوع المهني والسياسي والجغرافي، لا أن تنحاز لطرف أو منطقة واحدة.

كما يجب تحديد طبيعة التفويض الذي يجب أن يُقرّ بشكل واضح أن الهياكل الناتجة هي انتقالية ومؤقتة، وأنها موجودة لإدارة شؤون الفرع والنقابة بشكل جزئي ومؤقت وللمسائل الهامة العاجلة الحساسة حتى تتهيأ الظروف لإجراء انتخابات شرعية. بذلك، لا يتحول التعيين المؤقت إلى سلطة دائمة أو مغلقة.

إعلان طبيعة المرحلة الانتقالية بوضوح
يجب الإقرار بوضوح أن الهياكل الناتجة مؤقتة وانتقالية، وتُعتبر مهمتها الأساسية هي الإعداد للانتخابات أو على الأقل تسيير شؤون النقابة إلى حين توفر الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شرعية وشاملة.


الالتزام بالشفافية الكاملة والمساءلة: فينبغي إعلان أسباب تعذّر الانتخابات، أسماء المعيّنين ومؤهلاتهم، وتحديد صلاحياتهم ومدد عملهم، مع إعداد تقارير دورية لمساءلتهم أمام القاعدة النقابية.
ويُستحسن إنشاء لجان رقابية داخلية لمتابعة الأداء والتأكد من التزام المجالس الانتقالية بمهامها دون تجاوزات.
كما ينبغي إصدار بيانات رسمية توضح للرأي العام النقابي وللأعضاء:
* لماذا تعذرت الانتخابات؟
* من هم المعينون؟ وما هي مؤهلاتهم؟
* ما هي مدة التفويض ومهامهم؟
* ما هو الطريق إلى الانتخابات وتحديد جدول زمني محدد لإجراء الانتخابات؟

مراقبة الأداء والمساءلة: حتى المجالس أو الفروع المعينة يجب أن تُخضع نفسها لنوع من الرقابة الداخلية (لجان رقابية) أو الرقابة المجتمعية عبر إتاحة المعلومات وتقارير العمل، حتى لا تُفقد ثقة الأعضاء.

الأصول الواجب اتباعها عند تشكيل النقابات وفروعها بدون انتخابات:
1. احترام النصوص القانونية النافذة: بما أن قانون المهنة قائم وساري، فإن أي تشكيلات أو لجان أو تكليفات مؤقتة يجب أن تنطلق من مواده، لا أن تُفرض بممارسات فوقية أو استثنائية بلا سند قانوني.
2. ضمان التمثيل العادل لجميع الفروع: لا يجوز حصر المناصب أو القرارات بفرع أو محافظة واحدة، بل يجب توزيع التمثيل بين جميع المحافظات والمدن لضمان العدالة النقابية.
3. اشتراط محلية أعضاء مجالس الفروع: وفقاً لقواعد العدالة وأصول التمثيل النقابي، لا يجوز تعيين أعضاء مجالس الفروع من خارج المناطق التي يُفترض أنهم يُمثلونها، فلا يمكن مثلًا أن يُشكَّل مجلس فرع دمشق من أعضاء يعملون في حلب أو حمص، فهذا يناقض مبدأ التمثيل المحلي والفعلي.
4. التشاور مع شيوخ المهنة وكبار المحامين في كل فرع قبل أي تكليف أو تعيين: إن من أهم ضمانات الشرعية المعنوية والاحترام الداخلي أن تُجرى مشاورات فعلية وعلنية مع شيوخ المهنة وكبار المحامين المعروفين بسمعتهم وخبرتهم في كل فرع قبل إصدار أي قرار تعيين أو تكليف، بحيث يُستفاد من حكمتهم وخبرتهم وتُعزز مشروعية الاختيارات أمام الهيئة العامة للمحامين.
إن هذا التشاور ليس شكلياً ولا مجرد واجب مجاملة ولا يعني الاسترضاء، بل يمثل التزاماً أخلاقياً ومهنياً بإشراك المرجعيات الميدانية قبل اتخاذ قرارات مصيرية/ وهو وسيلة لاستثمار خبرة هؤلاء الكبار وضمان أن القرارات ستحظى بقبول أوسع داخل الجسم النقابي..
فينبغي احترام مكانة وخبرة شيوخ المهنة وكبار المحامين في كل فرع، وإشراكهم فعلياً في المشاورات قبل اتخاذ قرارات التعيين، لأنهم يُشكّلون مرجعية أخلاقية ومهنية لا غنى عنها لضمان مشروعية التعيينات.
5. اعتماد منهجية التوافق والشفافية والتمثيل الواسع: عند غياب الانتخابات، يجب الوصول إلى التوافق بين جميع الأطراف والتيارات الفاعلة داخل النقابة لضمان تكوين هيئة انتقالية ذات قبول واسع، وعدم احتكار القرار من قبل طرف واحد، والانفراد بسلطة التعيين. مع الإعلان العلني عن كل قرار أو تشكيل جديد، وأسبابه ومبرراته، وتحديد مدته الزمنية، وذلك لضمان عدالة التمثيل وشرعية الهياكل الانتقالية.
6. الإعلان والتأكيد بوضوح على الطبيعة الانتقالية للمرحلة: يجب تأكيد أن هذه الهياكل والتشكيلات هي هياكل وتشكيلات مؤقتة مهمتها الأساسية تهيئة الظروف لإجراء انتخابات ديمقراطية بأسرع وقت ممكن. ولا بد من وضع خطة عمل واضحة للعودة إلى هذه الانتخابات متى توفرت الظروف الملائمة.

الدروس المستفادة من التجارب الدولية
في بلدان شهدت أزمات سياسية أو انتقالات بعد نزاعات (مثل جنوب إفريقيا، تونس، تشيلي)، جرى تشكيل هيئات نقابية انتقالية بالتوافق بين المجموعات المهنية المختلفة، مع ضمان تمثيل عادل لكافة المناطق والفروع، ومع إلزامها بجدول زمني للعودة إلى انتخابات حرة ونزيهة بأقرب وقت.
لقد جرى احترام الأنظمة القانونية النافذة حتى في الفترات الانتقالية، واعتمدت الهيئات النقابية على التوافق الداخلي، والتشاور مع الكوادر النقابية الرفيعة، مع وضع جداول زمنية واضحة لإعادة الشرعية الانتخابية.
وبعض النقابات أنشأت هيئات مستقلة أو لجان مؤقتة تحت إشراف نقابات دولية أو منظمات مراقبة لضمان الشفافية.


الخلاصة
قانون تنظيم المهنة ما زال قائماً وساري المفعول، ويجب احترامه والعمل وفق أحكامه، ولا يمكن ولا يجوز بحال من الأحوال تجاوز هذه الأحكام بحجة الظروف الاستثنائية أو المرحلة الانتقالية.

غياب الانتخابات لا يُسقط الحق في العمل النقابي وفقاً لوانين وأنظمة المهنة، ولا يُبرر تجاوز الأصول المهنية والقانونية، لكنه يفرض مسؤولية إضافية قانونية وأخلاقية وأدبية وهي إدارة مرحلة انتقالية بشفافية، وتوافُق، واحترام لمبادئ الديمقراطية الداخلية، والتمثيل العادل لجميع الفروع، واشتراط أن يأتي أعضاء مجالس الفروع من نفس مناطقهم، والتشاور الجدي والحقيقي مع كبار المحامين وشيوخ المهنة في كل فرع قبل أي تعيين، مع الحفاظ على الشفافية والتوافق والالتزام بجدول زمني لإعادة الشرعية الانتخابية بأقرب فرصة ممكنة.
وإن أي تشكيل مؤقت يجب أن يظل تحت عنوان واحد: التحضير لانتخابات شرعية بأقرب فرصة.

وبناءً عليه فإن أي خطوة نقابية انتقالية يجب أن تستند إلى:
1. أحكام قانون وأنظمة المهنة.
2. مشاركة كل الفروع والهيئات والمؤتمرات العامة باتخاذ القرارات العامة المصيرية للمهنة.
3. اشتراط المحليّة في مجالس الفروع.
4. التشاور مع كبار المحامين وشيوخ المهنة.
5. الشفافية والتوافق.
6. والإعلان بوضوح عن خطة العودة إلى المسار الانتخابي الشرعي.

وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام

المحامي محمد ناهل المصري

ليست هناك تعليقات: